ابن العربي
889
أحكام القرآن
فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : عرفت فالزم . وفي الحديث الصحيح « 1 » : لا يدرك أحدكم حقيقة الإيمان حتى يكون اللّه ورسوله أحبّ إليه مما سواهما ، وأن يحبّ المرء لا يحبه إلا للّه ، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه اللّه منه ، كما يكره أن يعود في النار . وقد تقدم قوله « 2 » : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ . . . إلى قوله : كَرِيمٌ . وإذا كان الإيمان في القلب حقّا ظهر ذلك في استقامة الأعمال بامتثال الأمر واجتناب النهى ، وإذا كان مجازا قصّرت الجوارح في الأعمال ؛ إذ لم تبلغ قوته إليها . الآية الخامسة والعشرون - قوله « 3 » : وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ ، وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . فيها ثلاث مسائل : المسألة الأولى - قوله : مِنْ بَعْدُ ، يعنى من بعد ما أمرتكم بالموالاة ، هكذا قال جماعة من المفسرين ، إلا أنه يحتمل أن يكون يريد من بعد الإيمان الأول والهجرة الأولى ؛ فإنّ الهجرة طبقات : المهاجرون الأولون ، وبعدهم من هاجر في بحبوحة الإيمان وقبل الفتح ، وهم طبقات عندنا ودرجات عند اللّه . المسألة الثانية - قوله : فَأُولئِكَ مِنْكُمْ ، يعنى في الموالاة والميراث على اختلاف الأقوال ؛ فإنّ من تولّى قوما فهو منهم باعتقاده معهم ، والتزامه لهم ، وعمله بعملهم « 4 » ، كما قال تعالى « 5 » : وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ . المسألة الثالثة - قوله : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ : قال ابن عباس : هذه الآية نسخ لما تقدم من الموالاة بالهجرة دون القرابة التي ليس معها هجرة .
--> ( 1 ) البخاري 1 - 60 . ( 2 ) سورة الأنفال ، آية 2 - 4 . ( 3 ) آية 75 ( 4 ) في ل : وعلمه بعلمهم . ( 5 ) سورة المائدة ، آية 51